
أنجز الباحثان المهندس علاء الدين النجار والدكتور مجد الهواري من المفاعل الأردني للبحوث والتدريب (JRTR) التابع لهيئة الطاقة الذرية الأردنية مشروعاً بحثياً متكاملاً حول تقييم الجرعة الإشعاعية من النويدات المشعة في مياه الشرب، تطوّر خلال عام 2026 عبر أربع أوراق علمية محكّمة، وانتقل تدريجياً من دراسة حالة لنظير واحد إلى تطوير إطار منهجي شامل لتقييم مدى تمثيل الفحص التقليدي القائم على البالغين للتعرض الإشعاعي عبر مختلف مراحل الحياة.
وجاء التسلسل البحثي على النحو الآتي:
الورقة الأولى – نقطة الانطلاق: الراديوم-228
Age-dependent lifetime dose modeling of Radium-228 in drinking water: Implications beyond the World Health Organisation (WHO) adult-based standard
Journal of Environmental Radioactivity, 293 (2026), 107903.
وضعت هذه الورقة الأساس للمنهجية، من خلال تطوير نموذج زمني يعتمد على العمر لتراكم الجرعة الناتجة عن الاستهلاك المزمن لمياه الشرب المحتوية على Ra-228.
عند تركيز مرجعي قدره 1 Bq/L، بلغت الجرعة الفعالة التراكمية خلال 70 عاماً نحو 71.4 mSv، أي بمتوسط سنوي على مدى الحياة يبلغ نحو 1.02 mSv/y، مقارنة بنحو 0.50 mSv/y وفق النهج القائم على افتراضات البالغين. كما أظهرت الدراسة أن أعلى جرعة سنوية تحدث خلال مرحلة المراهقة، وتبلغ نحو 2.7 mSv/y، نتيجة تراكم مساهمات الجرعات الناتجة عن التعرضات السابقة واستمرار احتجاز الراديوم ونواتج اضمحلاله في الهيكل العظمي.
وهكذا أثبتت الورقة الأولى أن استخدام معيار بالغ واحد قد لا يمثل بصورة كافية لا الجرعة المتراكمة على مدى الحياة ولا أعلى جرعة سنوية خلال مراحل النمو.
الورقة الثانية – توسيع المنهجية: الراديوم-226
Identifying Age-Specific Windows of Vulnerability: A Lifetime Dose Assessment of Ra-226 in Drinking Water
Journal of Radiological Protection, 46 (2026), 021510.
انتقلت الدراسة الثانية إلى Ra-226 لاختبار ما إذا كان السلوك المكتشف في Ra-228 يمثل خاصية عامة للراديوم أم أن لكل نظير نمطاً عمرياً خاصاً به.
بلغت الجرعة الفعالة التراكمية لـRa-226 نحو 19.97 mSv خلال 70 عاماً عند 1 Bq/L، بمتوسط يقارب 0.29 mSv/y، مقابل نحو 0.20 mSv/y باستخدام النهج القائم على البالغين. وأظهرت النتائج أن أعلى جرعة سنوية تقع في السنة الأولى من العمر، بنحو 1.0–1.2 mSv/y بحسب طريقة التقريب والعرض، مع ظهور ارتفاع ثانوي خلال أواخر المراهقة يبلغ نحو 0.61 mSv/y عند عمر 17 عاماً.
وبذلك كشفت الدراسة عن سلوك عمري مختلف بوضوح عن Ra-228: فبينما يرتبط Ra-228 بذروة تراكمية واضحة خلال المراهقة، تتركز الجرعة في حالة Ra-226 بدرجة أكبر في مرحلة الطفولة المبكرة، مع تأثير ثانوي خلال المراهقة.
الورقة الثالثة – كشف المفارقة الناتجة عن تحديث معاملات الجرعة
Updated ICRP dosimetry amplifies limitations of WHO adult-based radium screening: implications for early-life and lifetime exposure
Journal of Environmental Radioactivity, 296 (2026), 107990.
اختبرت هذه الورقة تأثير الانتقال من معاملات الجرعة التقليدية في ICRP Publications 72/119 إلى معاملات الجرعة المحدثة في ICRP Publication 158.
أظهرت النتائج أن معامل الجرعة للبالغ ينخفض بنحو 50% تقريباً لكل من Ra-228 وRa-226. ففي حالة Ra-228 انخفضت الجرعة السنوية المحسوبة للبالغ من نحو 0.504 إلى 0.248 mSv/y لكل Bq/L، في حين ارتفعت جرعة الرضيع إلى نحو 10.4 mSv/y لكل Bq/L مقارنة بنحو 8.21 mSv/y وفق المعاملات السابقة. وبذلك اتسعت الفجوة بين الجرعة المحسوبة للبالغ والجرعة في الطفولة المبكرة بصورة كبيرة.
والأكثر لفتاً للنظر أن تحديث ICRP-158 نقل أعلى جرعة سنوية لـRa-228 من المراهقة إلى عمر سنة تقريباً، حيث بلغت نحو 2.93 mSv/y لكل Bq/L، أي ما يقارب 11.7 ضعف الجرعة السنوية المحسوبة وفق الفحص القائم على البالغين.
وهنا ظهرت المفارقة المنهجية: تحسين نموذج الجرعة وخفض الجرعة المحسوبة للبالغ لا يعني بالضرورة تحسّن الحماية لجميع الفئات العمرية؛ بل قد يؤدي، عند الإبقاء على بنية الفحص المعتمدة على البالغ، إلى اتساع الفجوة بين معيار الفحص وأعلى تعرض يحدث في بداية الحياة.
الورقة الرابعة – التتويج: إطار فحص يمتد عبر دورة الحياة
A life-course screening framework for radionuclides in drinking water: identifying when adult-based screening is conservative, representative, or non-conservative
Journal of Environmental Radioactivity, 300 (2026), 108164.
مثّلت هذه الورقة الانتقال من دراسة الراديوم إلى اختبار المنهجية على مجموعة أوسع من النويدات المشعة. وقد شملت الدراسة 19 نويدة مشعة إجمالاً؛ 17 منها مأخوذة مباشرة من قائمة النويدات ذات الصلة بمياه الشرب في إرشادات WHO، مع إضافة U-235 وRa-224 لأغراض المقارنة. أما Ra-226 وRa-228 فقد أُدرجا كحالتين مرجعيتين اعتماداً على نتائج الدراستين السابقتين، ولم يعاد حسابهما ضمن مجموعة البيانات الجديدة.
وطورت الورقة إطاراً يعتمد على ثلاثة عوامل للجرعة لكل وحدة تركيز:
- Fadult: عامل الفحص التقليدي القائم على جرعة البالغ.
- Fpeak: عامل الجرعة السنوية القصوى عبر دورة الحياة، لتحديد المرحلة العمرية الأكثر تعرضاً.
- Flife: عامل متوسط الجرعة السنوية على مدى الحياة، لتمثيل العبء التراكمي للتعرض المزمن.
كما استخدمت الورقة النسبتين:
Rpeak = Fpeak / Fadult
و
Rlife = Flife / Fadult
لتحديد ما إذا كان الفحص القائم على البالغين يمثل الجرعة عبر دورة الحياة، أو يقلل من تقديرها، أو يكون محافظاً عليها.
وأظهرت النتائج أن أداء الفحص القائم على البالغين ليس موحداً بين جميع النويدات المشعة، بل يعتمد على خصائص النويدة وعلى مقياس الجرعة المستخدم.
فبالنسبة إلى متوسط الجرعة على مدى الحياة، ظهرت حالات يكون فيها الفحص القائم على البالغين غير محافظ، ومن بينها Ra-224 وPb-210 وPo-210 وI-131 وSr-90 وTh-228 ضمن مجموعة النويدات الجديدة، بينما شكل Ra-228 – بوصفه حالة مرجعية منشورة سابقاً – إحدى أكثر الحالات وضوحاً، حيث بلغ معامل الانحراف في متوسط الجرعة على مدى الحياة نحو 2.04.
أما من حيث الجرعة القصوى خلال دورة الحياة، فقد ظهرت نقاط عمياء كبيرة بصورة خاصة في Ra-224، حيث بلغت نسبة الذروة إلى عامل البالغ نحو 15.8 مرة، إضافة إلى Th-228 وPo-210 وI-131 وSr-90. كما أظهرت نظائر اليورانيوم سلوكاً مهماً ومختلطاً: فهي محافظة بالنسبة إلى متوسط الجرعة على مدى الحياة، لكنها قد تفشل في التقاط ذروة الجرعة لدى الرضع.
وفي المقابل، كان C-14 والتريتيوم على هيئة ماء tritiated water قريبين من التمثيل القائم على البالغين بالنسبة إلى متوسط الجرعة على مدى الحياة، مع إمكانية وجود ذروات عمرية صغيرة لا تظهر في الفحص التقليدي.
وبذلك اكتمل التسلسل البحثي من:
إثبات المشكلة في Ra-228 → اختبارها في Ra-226 → فهم تأثير تحديث ICRP-158 على المشكلة → تعميم المنهجية على مجموعة واسعة من النويدات المشعة وتطوير إطار Fpeak وFlife.
والنتيجة الأساسية للمشروع هي أن عامل الفحص القائم على البالغين لا يمكن اعتباره بصورة تلقائية محافظاً أو ممثلاً للتعرض الإشعاعي لجميع مراحل الحياة. فقد يكون محافظاً بالنسبة إلى متوسط الجرعة على مدى الحياة لكنه يفشل في التقاط ذروة التعرض لدى الرضع، أو قد يكون غير محافظ بالنسبة إلى كل من الجرعة القصوى والعبء التراكمي، وذلك بحسب خصائص النويدة المشعة.
ومن هنا يقترح العمل استخدام Flife كمقياس مكمل للفحص التقليدي عند تقييم التعرض المزمن على مدى الحياة، واستخدام Fpeak للكشف عن مراحل العمر التي قد تختفي عند اختزال التعرض إلى قيمة واحدة للبالغين. ويهدف هذا الإطار إلى تحويل النمذجة العمرية المعقدة إلى عوامل كمية بسيطة يمكن استخدامها في الفحص التنظيمي دون الحاجة إلى إعادة تنفيذ النموذج الحركي الحيوي الكامل في كل عملية تقييم.
وهكذا يمثل المشروع، في مجمله، تطوراً منهجياً واضحاً من دراسة حالة لنظير واحد، إلى مقارنة نظيرين متشابهين كيميائياً ومختلفين دوسيمترياً، إلى دراسة أثر تحديث معاملات الجرعة الدولية، ثم إلى إطار عام قابل للتطبيق على طيف واسع من النويدات المشعة في مياه الشرب. ولا يزال هذا المشروع قابلاً لمزيد من البحث والتطوير، ولا سيما في حال تحديث الجرعات والمعاملات الواردة في إرشادات منظمة الصحة العالمية (WHO).